السيد محمد تقي المدرسي

398

من هدى القرآن

[ 25 - 20 ] ولكن هل يقتنع الإنسان بذلك البيان ويلزم نفسه بالحجج ؟ « كَلَّا » لأنه يريد أن يفجر أمامه ، ومن ثم لا يتبع عقله باعتباره يحدد سلوكه وأفعاله ، وإنما يتبع هواه ، وتابع الهوى لا يعرف حدًّا ولا قيمة . وعنوان اتباع الهوى هو حب الدنيا الذي يترتب عليه ترك الآخرة « تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ( 20 ) وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ » وهذا هو جذر كل خطيئة عند الإنسان ، كما بَيَّن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديثه المشهور : حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ ] « 1 » . وقد قال الله : « الْعَاجِلَةَ » ولم يقل : ( الدنيا ) لأنه يريد الحديث عن صفة عند البشر هي التي تدعوه للَّهث وراء حطام الدنيا وترك الآخرة ، وهي كونه يحب كل مقدَّم معجَّل ، ويقدمه على كل مؤخَّر مؤجَّل ، دون النظر إلى المصلحة العامة والأساسية في أيهما تكون ، فقد يختار دينارا معجلا على ألف مؤجلة ، مع أنه قد لا يجد دليلا ينفي ما في المستقبل . وعلاج هذه المعضلة البشرية يتم بإيجاد التوازن في وعيه بين الحاضر والمستقبل ، وينتهج القرآن من أجل ذلك نهج التذكرة والتصوير لمشاهد الآخرة مما يزيدها حضورا في وعيه ، وهذا ما نقرؤه في الآيات التالية : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ » والكلمة تتسع لجميع معاني الحسن والجمال والبشر التي تعبر عن نفس مطمئنة راضية تفيض سرورا وأملا برحمة الله . قال أهل اللغة : نضر الوجه ، نَعُمَ وَحَسُنَ وكان جميلا ، فهو ناضر ونَضِر ونضير ، وجاء في سورة [ المطففين الآية : 24 ] « تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ » أي بريقه ورونقه . ووجوه المؤمنين يوم القيامة ناضرة فرحا وسرورا بلقاء ربهم ، ورضوانه ، وجزائه الحسن ، وغاية ذلك نظرهم إلى ربهم حيث يعرفون من أسماء ربهم الحسنى ، ويرون من آيات بهائه وجلاله ، وينتظرون من آلائه ونعمائه ما يجعلهم في بحبوحة الرجاء ، وعنفوان الرضا ، ومهرجان الحب والقرب ، وشلال لا ينقطع من نور الله البهي . « إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ » قال العلامة الطبرسي : اختلف فيه على وجهين : الأول : أن معناه نظر العين ، واختلف مَنْ حَمَله على نظر العين على قولين : ألف : أن المراد إلى ثواب ربها « نَاظِرَةٌ » أي هي ناظرة إلى نعيم الجنة حالا بعد حال فيزداد بذلك سرورها . باء : أن النظر بمعنى الرؤية ، والمعنى تنظر إلى الله معاينة ، رووا ذلك عن الكلبي ومقاتل وعطاء وغيرهم ، وعموم رأي أهل السنة ، وردَّ على هذا الرأي فقال : وهذا لا يجوز ، لأن كل منظور إليه بالعين مشار إليه بالحدقة واللحاظ ، والله يتعالى عن أن يشار إليه بالعين ، كما يجل سبحانه عن أن يشار إليه بالأصابع .

--> ( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 130 .